أبي بكر جابر الجزائري

351

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الآية السابقة أنه صنعه لنفسه ، فأمره في هذه الآية بالذهاب مع أخيه هارون مزودين بآيات اللّه وهي حججه التي أعطاهما من العصا واليد البيضاء ، ونهاهما عن التواني في ذكر اللّه بأن يضعفا في ذكر وعده ووعيده فيقصرا في الدعوة إليه تعالى فقال : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي « 1 » وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي « 2 » وبين لهما إلى من يذهبا وعلة ذلك فقال : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أي تجاوز قدره وتعدى حده من إنسان يعبد اللّه إلى إنسان كفار ادعى أنه رب وإله ، وعلمهما أسلوب الدعوة فقال لهما : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أي خاليا من الغلظة والجفا وسوء الإلقاء وعلل لذلك فقال لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى « 3 » أي رجاء أن يتذكر معاني كلامكما وما تدعوانه إليه فيراجع نفسه فيؤمن ويهتدي « 4 » أو يخشى العذاب ان بقي على كفره وظلمه فيسلم لكما بني إسرائيل ويرسلهم معكما ، فأبدى موسى وأخوه هارون تخوفا فقال ما أخبر تعالى به عنهما في قوله : قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي يعجل بعقوبتنا بالضرب أو القتل ، أَوْ أَنْ يَطْغى « 5 » أي يزداد طغيانا وظلما . فطمأنهما ربهما عزّ وجل بأنه معهما بنصره وتأييده وهدايته إلى كل ما فيه عزهما فقال لهما : لا تَخافا أي من فرعون وملائه : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى اسمع ما تقولان لفرعون وما يقول لكما . وأرى ما تعملان من عمل وما يعمل فرعون وإني أنصركما عليه فأحق عملكما وأبطل عمله . فاتياه إذا ولا تترددا فقولا أي لفرعون إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ أي إليك فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ لنخرج بهما حيث أمر اللّه ، وَلا تُعَذِّبْهُمْ بقتل رجالهم واستحياء نسائهم واستعمالهم في أسوإ الأعمال وأحطها ، قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ « 6 » رَبِّكَ أي بحجة من ربك دالة على أنا رسولا ربك إليك وأنه يأمرك بالعدل والتوحيد

--> ( 1 ) يروى أن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : الآيات التسع . وهذا باعتبار ما يكون وإلا فما حصل هو آية العصا واليد لا غير . ( 2 ) ولا تنيا ؛ أي : ولا تضعفا . يقال : ونى يني ونىً أي : ضعف في العمل . أي : لا تني أنت وأبلغ هارون أن لا يني . ( 3 ) لعلّ : حرف ترج ولكن هي هنا بالنسبة إلى موسى وهارون معناه : لعل رجاء كما وطمعكما . فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر . ( 4 ) لقد تذكر فرعون وخشي وذلك ساعة غرقه ولم ينفعه ذلك إذ قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل . ( 5 ) قوله تعالى : قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ الخ هذه بداية كلام موسى وهارون بعد أن انتهى كلام موسى مع ربّه وحده . قبل أن يصل إلى مصر ، ومعنى : يفرط يبادر بعقوبتهما ويعجلها ، يقال : فرط منه أمر أي : بدر ، وأفرط : أسرف وفرّط : ترك وأضاع ، وفي الآية دليل عدم المؤاخذة بالخوف مما من شأنه أن يخاف ، ولكن لا يمنع من عبادة اللّه تعالى التي هي علّة الخلق والوجود . ( 6 ) هي اليد والعصا .